English | Français | Italian | العربية

أ. منيرفا جرايسة تكتب: التعليم أمانة وليس مهنة

ديسمبر 16، 2019

" التعليم أمانة وليس مهنة"

اعداد: أ. منيرفا قسيس جرايسة

كانون الاول 2019

يواجه العاملون في قطاع التربية والتعليم ، العديد من التحديات المرتبطة بموضوع الضعف الأكاديمي والمعرفي العام للطلبة ، وجاهزيتهم حتى على مستوى الأداء الشخصي، وفي تواصلهم مع مجتمعهم وانتمائهم له. يُنظر إلى العملية التعليمية باعتبارها المسؤولة عن هذا الضعف ، ويتم تحميل المعلمين/ات المسؤولية الأولى عمّا وصل إليه الطلبة، من مستويات متدنّية في التحصيل أو الدافعية نحو الانجاز المعرفي والأكاديمي، في الوقت الذي يعتبر ما وصلوا إليه، مسؤولية مشتركة يتحمل مسؤوليتها جميع الأطراف التي تتعامل مع الطفل كالعائلة والمدرسة....

التساؤل الذي يستمر طرحه من قبل المعلمين والأهل:لماذا لا يريد هذا الجيل " جيل التواصل الالكتروني والالعاب والانترنت " أن يتعلم؟، ونسأل أنفسنا أيضاً: لماذا يواظب أبناؤنا على الانخراط في هذا الواقع، الذي يجذبهم إلى درجة اللاوعي وافتقاد العلاقة مع الواقع العملي، وانخراطهم في هذا العالم الافتراضي أكثر من علاقاتهم بأفراد أسرهم، وبما يدور حولهم من أحداث ومجريات تلمس واقعهم وحياتهم اليومية، ويوثر على كيفية تعاملهم مع مجموع التحديات والصعوبات التي تواجههم فيها....إنه وبلا شك تكمن الإجابة على جميع هذه التساؤلات في طبيعة فهمنا لمفهوم " تحّمل المسؤولية " وفي مدى قدرة الأهل والمعلمين/ات على تعزيز روح المسؤولية والانتماء ، والتي تتضمن التزامه بقيامه بمسؤولياته ومهامه المدرسية والشخصية والاجتماعية.

يحتاج الطفل في المراحل العمرية المبكرة من التطور الجسمي والعقلي والمعرفي، للمساندة والرعاية والمرجعية في مواجهة التحديات أثناء عبوره لهذه المراحل العمرية ، حيث يقودنا هذا الأمر إلى تساؤل مرتبط بماهية الدور الذي نلعبه نحن كتربويين/ات وأهل في رعاية الأطفال أثناء تطورهم، وحمايتهم من الانحدار إلى عالم اللاواقع.

سأحاول هنا التركيز أكثر، على طبيعة التناقض الذي يبرزه واقع الحال، بين الدور الذي يقوم به الوالدان تجاه ابنائهم ودور المعلمين/ات في تعاملهم مع الطلبة خلال المراحل العمرية، التي يمر بها الطلبة وخصوصاً مراحل النمو المبكرة، فباعتقادي ان  دور الوالدين يأخذ منحنيين اثنين وبينهما دور ثالث ضئيل لا يكاد يذكر.

الأول: نوعية الوالدين الذين يتابعون كل تفاصيل تطور الطفل، على المستويات المختلفة لدرجة أنهم لا يتركون للطفل أي مجال لتحمل المسؤولية تجاه الذات والآخرين، وتجاه المتطلبات التعليمية أيضاً ، فهم من يطعمونه ويعتنون بصحته، ويعرفون كل تفاصيل دروسه ويقومون بتدريسه/ا بحذر كبير، بهدف الحصول على أعلى العلامات وتحقيق أفضل الانجازات. هنا يُسقِط الأهل طموحاتهم الشخصية وتصوراتهم المستقبلية، على الطفل الذي " يملكونه" والذي يرغبون أن يكون، وبشكل واضح أن يمثل صورة الكمال فقط وأن أي تقصير من قبل الطفل يمثل نقصهم الخاص وغير مرتبط بابنهم/ ابنتهم.

في هذه الحالة، فإن الأهل يحرمون الطفل من أية فرصة لبناء شخصيته المستقلة ، التي تتعامل مع الفشل والنجاح وتساعده على بناء الصلابة النفسية ، التي يحتاجها كطفل لمواجهة الحياة الصعبة وتحدياتها المختلفة. كما أن الأهل ومن خلال دورهم المهيمن على الطفل، يعيقون دور المعلم/ة الذي يحاول أن يُحمّل الطفل المسؤولية، من خلال المهام التي كلف القيام بها في البيت أو داخل الصف، فهو لا يحمل عبء الانتباه إلى ما يدور داخل الصف، من شرح للمواد واكتساب خبرات وذلك لاعتماده على الأهل في هذا الموضوع ، حيث يقوم الأهل بفتح فرع منزلي للمدرسة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انعدام ثقة الطفل بأهمية دور المعلم/ة والعملية التعليمية داخل الصف والمدرسة، فنجد المدارس تعج بالفوضى وعدم الالتزام، وضياع وقت الطلبة الآخرين وإثارة التوتر عند المعلمين/ات تجاه إدارة الصف، وتجاه انجاز الخطط التعليمية المحددة والمخطط لها، والتي يتم محاسبة المعلمين/ات على إنجازهم لها أو تقصيرهم لأي سبب، وهنا لا تقع المسؤولية على المعلم/ة في جذب واستقطاب الطلبة، نحو عملية الشرح والالتزام داخل الصف، من خلال اشغالهم في المهام التربوية المختلفة، ويتحملون المسؤولية أيضاً تجاه تزويد الطلبة بالمهارات المعرفية والتربوية المختلفة، على الرغم من كل التحديات التي تواجههم داخل المدرسة بشكل عام وغرفة التدريس بشكل خاص، الأمر الذي يتطلب من المعلمين/ات، بذل جهد أكبر واكتساب مهارات إضافية للتعامل مع هذا التحدي، من خلال التكاملية فيما بينهم في عملية تحديد الأهداف والمخرجات وبناءعلاقة الهرم الثلاثي التي تقوم عليها لعملية التعليمية، ألا وهو: الطالب/ة، المدرسة أوالهيئة التدريسية والبيت أو الأهل. لضمان نجاح الطالب/ة في عبور مراحل التطور المختلفة واكتساب المهارات المعرفية والعلمية والعملية المتوقعة من عملية التعليم.

أما فيما يتعلق بالجانب الثاني، ألا وهو تخلي الوالدان عن مسؤولياتهم تجاه أطفالهم الطلبة، سواء في سد احتياجاتهم الأساسية كالرعاية الجسدية الصحية وغيرها، أو المتابعة لحياتهم المدرسية وتحدياتهم النفسية الانفعالية التطورية، ويتجسد ذلك في صورة الطفل المهمل غير النظيف وغير المرتب، الذي ينقصه التركيز داخل الصف، والمنشغل ذهنياً في أمور غير عملية التعلم ، فلا أحد يهتم.... وهنا يغيب عند الطفل مفهوم الحدود والمسؤولية أيضاً، فنجاحه وفشله في ميزان واحد ولا أحد يهتم، وقد يكون هذا الطفل عرضة للانسياق وراء أي مسليكات انحرافية، تعيق تطوره النفسي والاجتماعي في كل مراحلها التطورية.

يعبّر معظم الأهل عن انشغالهم الدائم عن متابعة أطفالهم ( العاملين وغير العاملين) ، وتزيد هذه الحالة لدى الأطفال القادمين من أسر مفككة، حيث يتخلى الأهل عن مسؤولياتهم الوالدية، أو قد تظهر عند الأهل أن هذه مسؤولية الطفل التامة، وأن جيل اليوم يعرف ما عليه " ولا داع لتدخل الأهل " لكن ,,,, يعتبر ذلك إهمال لمسؤولياتهم الوالدية تجاه اطفالهم، ويعكس العجز عن فهم تطورهم ويساهم في تغيير مسار حياتهم باتجاه عكسي لا تحمد عقباه.

أما الجانب الثالث، والذي يكاد يكون ضئيل جداً، فهو وجود أطفال يتحملون مسؤولياتهم المختلفة بمتابعة دائمة، ودعم واسناد من الوالدين في مواجهة أي تحديات ... هؤلاء الأطفال هم الأكثر استقراراً في عبورهم لعملية التطور، فيختبرون النجاح والفشل، ويستمدون منها القوة، لبناء صلابة نفسية واجتماعية وشخصية مستقلة أكثر ومريحة داخل الصف وخارجه، وليس شرطا أن يكون هؤلاء هم المتفوقون في درجاتهم الأكاديمية، لكنهم على الأكيد الأكثر توافقاً على المستوى النفسي والشخصي والانفعالي.

هذا هو الجانب الذي نبحث عنه في ثنايا العملية التربوية والاجتماعية ، فهذا المجتمع يحتاج لجيل يعرف معنى المسؤولية تجاه ذاته، والأنساق الاجتماعية التي يعيش فيها، فالتعليم رسالة نحملها بأمانة تجاه الأجيال، وتعتبر أداهة لعملية التغيير المجتمعي الذي نأمل للوصول له، تعتبر أدوارنا كأهل ومعلمين/ات متكاملة فيما بينها، لا يمكن أن يكون هناك تضارب، إذا ما عرفنا نحن الكبار أين تقع مسؤوليتنا تجاه هذه الأدوار الوالدية والتربوية كمعلمين/ات أيضاً.

فعلى الرغم من أن متطلبات العملية التعليمية اليوم مرهقة جدأ للعاملين/ات في هذا القطاع، كون هناك الكثير من المتطلبات المطلوب تنفيذها وتحضيرها من قبلهم.فالمطلوب اليوم وكما كان سابقا من الأهل والمعلمين/ات، أن يتحملوا عبء الأمانة التي حملوها والرسالة التي اختاروها، وأن يتعاملوا معها بمحبة أكبر وبذل وتضحية أكبر، لما فيه المصلحة الفضلى للأطفال.

 

الكاتبة أ. منيرفا جرايسة:

تعمل الكاتبة حالياً محاضِرة في دائرة العلوم الاجتماعية – جامعة بيت لحم، ومستشارة تربوية في المعهد الاكليركي في بيت جالا، مدربة في مجال الاتصال والتواصل داخل العائلة ، علاقات النوع الاجتماعي والعنف الأسري، لها كتابات وأبحاث عديدة في مجال العلاقة بين الأجيال، تنشئة الأبناء والتربية الإيجابية، حماية الأطفال ، العنف ضد المرأة في المجتمع الفلسطيني وغيرها.

 

 

© مدارس البطريركية اللاتينية 2020