في الوداع الأخير...نيلسون مانديلا...حريتي من حريتكم: الحرية هي ولادة الذات ومدارسنا مهدها

في الوداع الأخير...نيلسون مانديلا

حريتي من حريتكم: الحرية هي ولادة الذات ومدارسنا مهدها…

يوارى اليوم الأحد 15/12/2013 جثمان المناضل نيلسون مانديلا، مخلدا وراءه حياة زاخرة كرسها للدفاع عن الحرية والديمقراطية والعيش الكريم لشعبه ولجميع شعوب الأرض. لقد ضحى بالكثير وقضى ربع قرن من حياته بالسجن وحث شعبه للتضحية بحياتهم في سبيل الحرية، فتحررت بلاده من سياسة التمييز العنصري. ونحن نرى فيه مثالا وقائدا وعلى مثاله نعشق شمس الحرية ونرغب أن نستدفئ بحرها تلك التي لم نمتلكها بعد، فما زلنا آخر شعب يرزح تحت الإحتلال البغيض. فما العمل لننال حريتنا ونحصل على ما ما حصل عليه لشعبه؟ فهل يا ترى نؤمن بالحرية الحقة؟ وما هي هذه الحرية ؟

أولا: نحن نؤمن أن الله حرِّيَّة، وشريعته هي للحريَّة ولا للعبوديَّة. فالله يحبّ الانسان ويحترم حرّيته، ولا يريده أداة عمياء غير مسؤولة وغير حرّة، بل شخصًا كريمَا وقادرًا على الحب والعطاء. فالحبّ من جانب الله هو تعبيره الأعظم عن حريَّته، وينتظر من الإنسان أن يتجاوب مع الحبّ بالحبّ، وأن يجاوب على الحريَّة بالحريّة. وإنَّ يسوع في حياته لم يحدّد لنا إطاراً جامداً ومحدّداً، بل علّمنا باشكال مختلفة وبالأمثال خاصة كيف ندخل في سرّ حرّيَّة الله. حرية تدعونا الى إكتشاف وفهم حرية الله وشريعته لنسير نحن بنهج هذه الحرية.

ثانيا: نحن نؤمن بأن الحرِّيَّة هامة تتجدّد وتنمو على مرّ الأيّام، ومعيار الحكم عليها هو بذل الشخص ذاتَه في سبيل الاخرين لكي يكون إنساناً حقا (”ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبّائه“: يو 15: 13). وبالتالي فالحرّية هي ولادة الذات ولادة مستمرّة أمام الله والآخرين، تبدأ باتّباع شريعة الله (عبادة الله وحده، واحترام حياة الآخر وجسده وكرامته وممتلكاته: خر 20: 1-17)، وتنتهي بالحبّ (”أحبب الربّ إلهك بكل قلبك وكلّ نفسك وكلّ ذهنك… وأحبب قريبك حبّك لنفسك“: متّى 22: 37-40).

ثالثا: حريتنا تبنى على الحوار مع الآخر وفي إطار العلاقة معه. علينا أن نفهم دور الشخصيّات، أمثال نيلسون مانديلا، التي تحمل مثلاً أعلى لحياتنا، فهي بوسعها أن تحثّنا على السلوك الأخلاقيّ، فهو الذي دعا شعبه الى رمي السلاح وفتح باب الحوار مع خصومه. فهو مثالنا بالحوار، لا كنوع من التقليد الرتيب لأعمالنا، بل بالإلهام الذي تبثّه فينا وبالثقة بإمكانيّة تحقيق ما نصبو إليه. مانديلا وغيره من الشخصيّات المثاليّة - من رجال ونساء - يستطيعون أن يجسِّدوا تجسُّدًا حيويُّا وصادقًا مِثال الإنسانيّة الذين سعوا إليه.

رابعا: في غمرة استعدادنا لميلاد المسيح، شمس الحق ومحرر الأمم، تتحقق الحرية ونحلق عاليا في سما المحبة والتسامح والصفح والغفران. ونرفع الدعاء الى الله أن تتحقق العدالة ويحل السلام فننعم بالحرية في قلوبنا ومجتمعنا ودولتنا، فيزول الإحتلال وتنتهي الإنقسامات ويحل الإخاء.

ففي وداعك يا مانديلا في بهجة الأعياد الميلادية نعدك بتحمل المسؤولية فنقوم بدورنا في بناء مجتمع يتحمّل المسؤوليّة ويحقّق ذاته، من خلال عملنا الدؤوب في حقل التربية والتعليم، فمدارسنا هي منارة علم وبناء انسان وجهد حثيث لتحقيق الحرية وبحث عن الله والآخر. ومعلمونا يحققون بمثالهم وعلمهم من خلال التربية قول مانديلا " حريتي من حريتكم".

الأب فيصل حجازين

مدير عام مدارس البطريركية اللاتينية في فلسطين